نادرا ما تكون للطغاة “المخادعين والمضلين” أيديولوجيا متناسقة، إلا أنهم يستخدمون الدعابة ليتظاهروا بأنهم نبلاء وأن خصومهم أشرار.

قال أكاديميان غربيان إن ما يفعله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بحق المدنيين في أوكرانيا ليس بالأمر الجديد، وذلك لأن الطغاة لطالما تحرّوا الكذب، وأن “الأكاذيب” التي ظل الكرملين يطلقها في الآونة الأخيرة لها شواهد في التاريخ.

ونقلت مجلة إيكونوميست (The Economist) -عن كتاب صدر حديثا للأكاديميين: سيرغي غورييف الاقتصادي الروسي وأستاذ علوم الاقتصاد في معهد الدراسات السياسية في باريس، ودانيال تريسمان أستاذ العلوم السياسية في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس- نماذج مما وصفاه بالأكاذيب، من قبيل أن روسيا لم تغزُ أوكرانيا، وأن الأوكرانيين هم من يقصفون مدنهم، وأن رئيسهم اليهودي نازي فعلا.

كما أن الطغاة يلجؤون في كثير من الأحيان إلى “الإرهاب”، لذا فإن ما يفعله بوتين بالمدنيين في أوكرانيا ليس بالجديد، “لكن الموازنة بين الكذب والقتل قد تغيّرت، فبالنسبة للحكام المستبدين المعاصرين فإن الأهم هو الكذب”.

وفي كتابهما “طغاة التلفيق: الوجه المتغير للاستبداد في القرن 21” (Spin Dictators: The Changing Face of Tyranny in the 21st Century)، يبين غورييف وتريسمان كيف حدث هذا التحول. ففي معظم فترات القرن العشرين، كان الحكام المستبدون يجاهرون بالعنف ويتباهون به. فقد ذبح زعماء من أمثال الأماني أدولف هتلر والسوفياتي جوزيف ستالين والصيني ماو تسي تونغ ملايين الناس، بل إن طغاة أقل وحشية مثل الرئيس الكونغولي الأسبق موبوتو سيسي سيكو شنق وزراء في حكومته أمام الملأ، وكان الهدف من ذلك إرهاب شعبه لإجباره على الاستسلام لسلطانه، على حدّ تعبير الكتاب.

ويبرز المؤلفان جوانب من التباين بين من يطلقان عليهم “حكام إشاعة الخوف المستبدون”، و”الطغاة في صناعة التلفيق والتضليل” الذين يقتلون عددا أقل من الناس وينكرون فعلتهم. ويرى الاثنان أن النوع الثاني من الطغاة هو الأكثر شيوعا الآن.

ويدّعي طغاة التلفيق أنهم ديمقراطيون، فهم ينظّمون انتخابات تعددية ونادرا ما يزعمون أنهم حازوا على أكثر من 90% من الأصوات كما جرت العادة في الأنظمة غير الديمقراطية التي كانت سائدة في ستينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. كما أنهم يقومون يزورون نتائج الانتخابات بوتيرة أقل، لكنهم يفبركونها كثيرا.

وضرب الأكاديميان مثالا على ذلك بما قام به رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان -الذي يصفانه بكبير المضللين والملفقين- عندما عمد إلى تغيير نتائج انتخابات 2018 التي حصل فيها حزبه على أقل من نصف الأصوات، لتصبح الثلثين ويفوز بالأغلبية المطلقة في البرلمان.

ونادرا ما تكون للطغاة “المخادعين والمضللين” أيديولوجية متناسقة، إلا أنهم يستخدمون الدعابة ليتظاهروا بأنهم نبلاء وأن خصومهم أشرار، أما حكام إشاعة الخوف فيعمدون إلى الرقابة الشاملة على الصحف والمطبوعات ووسائل الإعلام. وعلى العكس من ذلك، يسمح طغاة التلفيق والتضليل لعدد قليل من الصحف والمنشورات “ذات الثقافة الرفيعة والقليلة الانتشار” التابعة للمعارضة بالاستمرار في العمل، حتى يبدوا كأنهم يحترمون حرية التعبير.

زوار يأخذون صورا أمام تمثال ضخم للزعيم الصيني ماو (رويترز)

إن هدف طاغية التلفيق -وفق الكتاب الذي نحن بصدده- هو التظاهر بالسماح للتنافس السياسي، بينما هو يعمد إلى جعل تطبيق ذلك أشبه بالمستحيل. وبدلا من تجريم المنشقين عن نظام حكمه، فإن يودعهم السجون بتهم ارتكاب جرائم غير سياسية كالاحتيال أو الاغتصاب، رغم أنهم أبرياء من ذلك.

وعوضا عن حظر أحزاب المعارضة، فإنه يعرِّضها لإجراءات روتينية أو يدفعها إلى الإفلاس بفرض غرامات عليها وتوريطها في دعاوى قانونية.

ويقترح غورييف وتريسمان في كتابهما على العالم “الحر” تبني سياسة قائمة على ما يسميانه بــ”الخصومة العدائية”، وضرورة المراقبة عن كثب لأي علامات تدل على أن ثمة زعماء -حتى من بين من يتبعون لذلك العالم- يستولون دون مبرر على السلطة في بلدانهم، أو يقوضون مؤسساتها.

وبنظر مؤلفي الكتاب، فإن “ترسانة الخداع” وسيلة شديدة الفعالية في إبقاء القادة “الخبثاء” في سدة الحكم، ولعل ذلك من أسباب تراجع الديمقراطية عالميا خلال العقد الماضي، وإذا ما ظل هذا النوع من الحكام في السلطة فإنهم غالبا ما سيزدادون قمعا.

وقد يكون بوتين أقل وحشية من ستالين، لكنه تحوّل بعد 3 عقود في السلطة من “ملفِّق ومضلل” إلى زعيم يشيع الخوف والرعب، بحسب وصف مجلة إيكونوميست.

المصدر: وكالات

Share.

محرره صحفية من ريف حلب سوريا خريجة اعلام من جامعة دمشق 2016

Leave A Reply