هل ستضع والديك أحدهما أو كلاهما في دار للمسنين أم لن تقول لهما أف ??
بعد إصرار من أولادي شديد وإلحاح ممل من زوجتي وافقت معهم على زيارة استديو أهل الراية وباب الحارة في القرية الشامية على طريق المطار واتصلت بصديقي ليكون رفيقا مع عائلته بالرحلة الاستكشافية وتوجهنا رابع أيام العيد إلى دمشق .
بدأنا مشوارنا بالضحك بما أننا لم نمارسه منذ فترة طويلة وفي كل مرة كنا نحاول رسم الابتسامة نتعمد لإخفاء أسناننا وفمنا عن الناس بأن نغطيهم بيدنا وذلك لعدة أسباب :
أولها : الحسد فالجميع بائسون يائسون منزوعي الفرح ممتلئين بالهم والغم والنكد وقلة الهيبة والخيبة وضيق النفس وكابوس الأمراض المستعصية راكضين خلف سراب من السعادة وبئر جافة من الجود والكرم ، وكيف لنا أن نضحك بينهم .
ثانيها : أن معجون الأسنان الذي نستخدمه خال من المواد المبيضة ومليء بالنكهات حاله حال اللحمة المثلجة التي غزت الأسواق المحلية - فتوجه إليها الفقراء من كل صوب قال لي قائل أنها لحم جاموس ومن يوم استخدمها وهو يسمع زوجته قد تحول شخيرها إلى خوار في الليل ودائما تنطحه برأسها سأل عن سبب الخوار فقال له الطبيب أمر عادي أما النطح فلعدة أسباب قد يكون أهمها فقدانه لرجولته بسبب الهموم والكوابيس قال لي أحد الأطباء هل تعلم أنه هذه السنة وفي الشهر التاسع والعاشر تزداد حالات الطلاق وتزداد المشاجرات ويتحول معظم الأزواج إلى السهر بعيدا عن زوجاتهم في أي ركن من أركان البيت وتنخفض مواهب الرجال على النظر فيجد زوجته تتحول إلى عبدة سوداء وأولاده إلى دمى تسئم الروح ولما سألته عن السبب قال لي اكتب يا صاحبي :
يبدأ موسم المونة وموسم المدارس وموسم العيد ورمضان والمازوت والثياب الشتوية بذمتك لو قرأت هذه اللائحة لرجل كيف سيرى زوجته بعدها قلت له ذكرتني بتلك النكته قال لي ماهي :
قلت اشتكت امرأة على زوجها في المحكمة أنه دائما يعود مخمورا للبيت وعندما استدعاه القاضي قال له الرجل أقبل بحكمك سيدي القاضي لكن شرط أن تأتي زوجتي وتكشف عن وجهها وعندما استدعى القاضي الزوجة وأمرها أن تكشف عن وجهها فانتفض القاضي وأدار وجهه قائلا أعوذ بالله من قبحها فقال له الرجل يا سيدي القاضي كيف تريدني ألا أشرب الخمر وأنا لا أراها جميلة إلا بعد أن أنتهي من ثالث زجاجة فقال له القاضي اذهب عليك الأمان اشرب ما شئت يا بني فهكذا جمال لا يحتاج أن يكون صاحبه صاحيا أبدا وهكذا زمان لا عتب إن هجر الرجال فراشهم وسكنوا إلى بنات أفكارهم وهم يحسبون من أين يأتون بالنقود وكما هو حال المنظفات المحلية تقول زوجتي أضع نصف الزجاجة لكن لا رغوة ولا تنظيف ، لا أعلم العطل من السائل أم من زوجتي أم من الدسم الغير منحل لا بالماء ولا بالمذيبات القلوية - مما قد سبب لنا الاصفرار والسواد بعض الشيء في أسناننا والسبب الثالث أننا منذ فترة طويلة لم نضحك فكان كل واحد فينا خائف من أن يرسم البسمة مائلة إلى اليمين واليسار فيبدو وجهه على أحد أشكال التشوه والعياذ بالله ، ثم وصلنا إلى طريق المطار حيث بدأ الرالي سباق نحو الجسر السابع وبعد أن امتطينا صهوة الجسر وجدنا أنفسنا خلف طابور من السيارات أنا كنت أتقدم صديقي وبما أنها فكرتي هذه فجهاز الموبايل بدأ يعزف الألحان وبدأت الشتائم تنهال فوقي فقلت لهم وبصدق أنا لا أعرف سبب الازدحام ولا أعتقد أنه يوم الحشر لأن الناس يومها يأتون حفاة عراة أما الآن فالناس أنصاف عراة ولا أعتقد بوجود السيارات في ذلك اليوم كما أن الناس يومها تغرق حتى آذانهم بالعرق من شدة الحر أما اليوم فالرجال فقط غارقون إلى آذانهم وهم يبحثون عن النخوة الغائرة في أعماق الأرض فسامحوني أثابكم الله ونزلت من السيارة ، سألت فعلمت بعدها أن كل طفل وكهل وشاب ورجل وامرأة من كل المحافظات قد هبوا يريدون زيارة القرية الشامية وتحرير العكيد ومعتز وباقي الشباب الطيبة فقلت في نفسي ( سعري بسعر البشر ) وبعد ساعتين ونصف وجدنا أنفسنا على باب القرية الشامية
* عفوا ادفع من فضلك
كم تريد ؟؟
* مائة ليرة على الراس
و الأولاد ؟؟؟
* كل تنين بواحد
دفعنا ودخلنا ازدحام لا متناهي سألنا أين الاستديوهات ؟؟؟ وإذ هي بطريقنا التلقائي توجهنا إلى استديو أهل الراية وإذ بحاجز جديد
* الرجاء الدفع قبل الدخول
كم على الراس ؟؟
*( 50) على الكبير والصغار تنين بواحد
استسلمت ودفعت ثم توجهنا إلى داخل الاستديو عبارة عن شارعين من القياس الصغير وعدة محلات خاوية وأشكال لبيوت مهجورة قال لي ابني بابا اشتري لنا ماء فتوجهت إلى شخص موجود يبيع بعض العصير وزجاجات ماء
إذا ممكن زجاجة ماء
رد علي بدون نفس خمسين ليرة
قلت له ليش خمسين ليرة عم اطلب زجاجة ماء ما بدي اشتري خط إنتاج من معمل بقين
قال أسعارنا سياحية وياريت ما تخفف دم وإذا مو عاجبك اشتكي
قلت له لا بأس أعطني واحدة واعذرني لم أنتبه إلى اللافتة حيث أني الآن في جذر الكاريبي وإذا بدي اشتكي وين مكتب أبوجودت إذا بتريد ؟؟؟
أحسست أنه سيضربني فتركته ومشيت
ثم خرجنا وتوجهنا إلى استديو باب الحارة حاجز آخر
* عفوا لازم تدفع
كم على الراس ؟؟؟؟؟
* مائة على الكبير وخمسين على الصغير
طيب ليش أهل الراية الدخول عليها أرخص ؟؟؟ ولا هنيك ولاية وهون ولاية تانية ؟؟؟
* معقول اللي عم تحكيه أستاذ ليش باب الحارة متل أهل الراية ؟؟؟ كل شي شكل الله يسامحك
دفعت وقلت له لا تؤاخذني أنا على طول جاهل ومتخلف
دخلنا وبدأنا ندور في شوارع الاستديو إلا أنه ما لفت نظري أن أولادي ركضوا وبسرعة إلى مبنى المخفر لرؤية مكتب أبو جودت وبعد الانتهاء أمسكت أولادي وقلت لهم هل تريدون رؤية أبو جودت حقيقة ؟؟؟
قالوا بابا ليش أبو جودت هون وهم يطيرون فرحا ؟؟؟
فأجبت : بابا أبو جودت موجود بيناتنا بس ما عم نشوفوا منيح أبوجودت على باب القرية واقف وعلى باب الاستديو أبو جودت عم يعشعش فينا ونحنا مبسوطين ، كلنا عم نتحول لأبو جودت صرنا بوقت والعياذ بالله لو يقدر الواحد يقطع الهوا عن بقية الناس لقطعوا من زمان وبدأت رحلة العودة وقضينا ثلاث ساعة فقط للخروج من مدخل القرية الشامية كان الجوع قد أنهكنا فقررت دعوتهم إلى وجبة لم نعرف صفتها عشاء أم غداء ، المطعم مليء بآلاف البشر وبصعوبة وجدنا طاولة لــ ( 12 ) شخص تناولنا طعامنا وبعد الانتهاء طلبت الفاتورة حسب البروتكول إلا أنني قد أغدقت في تكحيل عيناي حتى أدمعتا فلم أعد أرى المبلغ بالشكل الصحيح وبعد محاولات قرأته (11900 ليرة ) اعتقدت في البداية ( 1190 ليرة ) فابتسمت بحرارة إلى أن ظهر ذلك الصفر بسرعة البرق على هيئة أبو جودت صدقا لم أعرف طريق البخل يوما في حياتي ولكني تضايقت أن أصرف في عشاء ما يتقاضاه موظف عن شهر عمل فرسمت أول ابتسامة وأنا أرنو زوجتي التي أقنعتني بفكرة الزيارة لكني وجدتها بهيأة ملكة مكللة بورود النصر تمشي في جنازة تلك الابتسامات التي بدأناها أول مشوارنا ثم توجهنا قاصدين حمص العدية وفي طريق العودة قالت لي زوجتي كأنك لم تكن مسرورا اليوم هل السبب فاتورة العشاء قلت لها أول الأسباب أنني أكاد أختنق فأنا منذ الصباح لم أستنشق هواء المصفاة ومعمل السماد الآزوتي وروائح حرق القمامة التي تغزو بيوتنا كل يوم ، بذمتك ألا تحسين أنه فيها شيء ما يجذبك ........ إلي ؟؟
و كما تعلمين يا رفيقة الدرب أني مدمن على روائح المشتقات النفطية فأرجوك في المرة القادمة أشعلي ما شئت في السيارة كي أستنشق قليلا من الأبخرة السامة حرام أن أبقى بصفتي مواطن مدمن صالح بعيدا عن السموم كل هذه الساعات وإذا أردت أن تحضري غازا صغيرا نفتحه قليلا في السيارة من أجل الأطفال وخاصة ابننا الرضيع آدم فأنا أرى في وجهه صفرة مدمن لا محالة .
و السبب الثاني : هل أحسست يوما أنني رجل بخيل ؟؟؟
قالت لي لا أبدا بالعكس لو كنت بخيلا لأصبحت ثري
قلت لها هل من المعقول أن أدعو عائلة لزيارة القرية الشامية ومن ثم العشاء وأصرف في يوم ما يتقاضه موظف عن شهر ونصف ؟؟؟
لكن ابني قاطعني قائلا :
- ماما شايفة البابا شو صاير بخيل ؟؟؟ صار عم يحسب المصاري ما كان هيك
- فأجبته : لا تأخذني يا بابا البنك اللي فاتحلنا إياه جدك غرق بالمطر اللي نزل بحمص من كام يوم - ما بتذكر لما نزلتك أنت وماما وسبحنا للركب بالمياه العذبة وغير العذبة وطافت السقيفة وانتزع السجاد والبرغل ونص المونة والآلات الكهربائية وصار عنا بالبيت متل مغارة جعيتا صواعد ونوازل - وما بقي عندنا غير المصاري اللي بالبيت
- لسه بابا بتقول جدي عندو بنك !!!!! إي شفته بالعيد عطاني بس مية ليرة عيدية إي لو عندو بنك كان عطاني مية ألف ليرة
- بس يا بابا عيب هاي العيدية اللي عطاك إياها جدك مو مشان تصرفها هاي المية ليرة غير صالحة للصرف .
- ليش بابا منزوعة يعني ؟؟؟
- لأ بابا هاي المية ليرة كل ما حسيت في شي عم يوجعك بجسمك بتحطها عليه بطيب الوجع بسرعة
- يعني بابا بتقصد هي المية السحرية
- برافو عليك يا بابا
( تعَلم أنه عندما تنتزع النقود من شخص بشق الأنفس وخجلا فإنها تتحول إلى شيء سحري لمداواة الجروح )
و الله يديم عليكم صحتكم ويهد جبروت أبو جودت وكل عام وانتو بخير ولا تأخذونا .