RSS

للحصول على اخر الاخبار اول باول وقت حصولها يمكنك الاشتراك بخدمة RSS عبر الرابط التالي:

الارشيف


الاسبوع الماضي








محرر أون لاين


 تحية
 رقيقة لكل
 القراء الاعزاء
 الذين يرافقوننا خلال هذه الفترة

تصويت

إذا تزوجت عن حب ... فأنت تزوجت حبيبتك... و إذا تزوجت زواج تقليدي ... فأنك تزوجت حبيبـة غيرك ما رأيك

نعم
لا
ربما



القائمة البريدية

البريد الالكتروني:


نساء ملثَّمات.. نبيع الخبز ولا نبيع شرفنا

تحقيقات ومقابلات

نساء ملثَّمات.. نبيع الخبز ولا نبيع شرفنا
نساء ملثَّمات.. نبيع الخبز ولا نبيع شرفنا

ملامح وجهها اندثرت تحت اللثام، وعيناها، وحدهما، كانتا تتحدَّثان. لم تقولا شيئاً منطوقاً، بل انشغلتا بالبوح بكلِّ ما يمكن أن تكتمه صبيّة في الثامنة عشرة من عمرها.ناريمان، ليست البطلة التي تتسكَّع على صفحات رواية "بائعة الخبز" للروائي الفرنسي (كزافييه دو مونتبان)، وإنما هي بائعة خبز بـ "الربطة" على اوتستراد المزة، ونزولها إلى الشارع لامتهان بيع الخبز للعابرين، لم يكن يوماً رغبة منها.


ولكن، كما يقول المثل الشعبي: "اقلب الجرّة على فمها تطلع البنت لأمها" وناريمان، بالفعل، أخذت هذه المهنة- الطارئة- عن والدتها.
أم زهير، يومياً، ومنذ أكثر من عشر سنوات تحضر إلى الفرن في الخامسة صباحاً، وتشتري 30 ربطة خبز و"تبسِّط بها" على الرصيف. خسرت إحدى كليتيها بعد أن نهشتها لسعات البرد والجلوس لساعات متواصلة على الرصيف. لكنها، في المقابل ربحت ما هو أهم من الكلية،  لاستمرار حياتها، إنهم أولادها. تقول: "ربّيتهم أحسن تربية وعلّمتهم أحسن تعليم، الخبز نعمة من الله، أبيعه ورأسي مرفوع".
ناريمان أيضاً كان عليها أن تضحِّي، ولكن ليس كتضحية والدتها بعضو من أعضائها، بل بدراستها وبحياتها الخاصة. لم تعد تذهب إلى المدرسة، ولن تفكِّر في الزواج لحين حصول أخيها الأصغر على شهادته الجامعية.
ناريمان وأمها ومعهما بائعات الخبز المنتشرات في الشوارع، لم ترمِ بهن أوضاعهن الاجتماعية في أوحال الرذيلة، فجميعهن أيقنّ أنَّ الفقر- وإن كاد يكون كفراً ـ لن يستطيع أن يدفعهن إلى بيع أعراضهن، ومنذ نزولهن إلى الشارع، وهن يتشبَّعن بفكرة أنّ "الحرة تجوع ولا تأكل من ثدييها"..
 
الليرات الخمس تفتح بيتاً
في كلِّ مرة تعاني فيها العائلات الموقوفة في زنزانتي الفقر الشديد أو محدودية الدخل، من ضعف قدرتها الشرائية لأيٍّ من المواد الغذائية، وجوع لا يعرف إلا (النق)، يعود رغيف الخبز ليمسك بزمام الأمور، مدعوماً من الحكومة التي وصفته بالخط الأحمر، كتهديد مباشر لتجّار لقمة العيش باللعب بعيداً عن قوت الشعب. وكان أن أمطر الدعم خيراً على البعض ممن امتهنوا الترزُّق من بيع الخبز المدعوم أمام الأفران. وبزيادة خمس ليرات على سعر الربطة المدعومة التي تباع في الفرن بـ 15 ل.س.
 
طقوسهم اليومية
تبدأ منذ لحظة اصطفافهم في طوابير، أمام شباك الفرن، ليبتاعوا ما لا يقلُّ عن 20 ربطة بسعر 300 ل.س، ومن ثم ينشرونها على الخرق و"الشوالات" التي أحضروها معهم، ويجمعونها من جديد في ربطات. قبل أن تكون جاهزة للعرض على الأرصفة، أو محمولة على الرؤوس. تقول أم علي: "إذا الله أكرمنا بزبائن، وبعنا الربطات العشرين، نربح 100 ل.س"
ولكن، قد يمرُّ النهار كله وجزء من الليل، دون أن يهتدي الزبائن إلى "خبزات" أم علي. وقتها، وستكون الخسارة المادية، وكسر الخاطر، والتعب، "مرافقيها الشخصيين" إلى منزلها في خان الشيح.
 
مقامرون... متعبون.. ويتعفَّفون
إنها المقامرة على مئة ليرة، على كسبها أو خسارتها. أبرز ما يوصم مهنة بيع الخبز التي يمارسها فقراء تحسبهم أغنياء لشدة التعفف. فهم يفضِّلون المقامرة على "الرزقة" على المقامرة  على أجسادهم وأعراضهم.
وربما هذا ما دفع ناريمان وجيهان ورويدا ليلثِّمن وجوههن: "إسكاتاً لتحرُّشات الرجال العابرين، المبحلقين في تضاريس الأجساد الشابة".. تقول رويدا: "يغويني الكثير من الرجال "برزم" المال لأرافقهم وأمتِّعهم، على حساب كرامتي وعرضي، لذا خبَّأت وجهي، ليفهموا، أنا "بدّي" عيش بالحلال".
تأخذ جيهان باب المنزل بيدها في السادسة صباحاً، وطوال الطريق من دروشة إلى أوتستراد المزة، لا تنفكُّ تتوقَّف عن الدعاء: "اللهم ارزقني رزقاً حلالاً يكفيني، وابعد عني شرَّ مَن يؤذيني"..
ربما أرادت جيهان بهذا أن تمنع عنها، ليس الأيدي ودعوات المتعة الجنسية فحسب، بل والألسنة التي تتلفَّظ بكلِّ ما يصدم دون أن يخدش بكارتها وأنوثتها المغلفة بجسد مراهقة.
رجالها- رجال المهنة- يعتبرون أنفسهم مسؤولين عن النسوة المفترشات للرصيف. وهم- على حدِّ قولهم- مستعدُّون للذود عنهن في أية لحظة. ربما لم يعد ذلك مستغرباً من أناس تجاوروا في العراء لأعوام تزيد على الثمانية. أوفياء، كما لو كانوا كل يوم يأكلون الخبز والملح معاً.
 
خبز طاهر.. بائعوه شرفاء
بائعو الخبز، ربما لسنا بحاجة إليهم كما هم بحاجة إلينا. وإذا ما راودتنا أنفسنا لنكتشف عالمهم عن قرب، فلنترك مشاعرنا جانباً، لأنها حتماً ستشعر بحرارة كحرارة ذلك الخبز الطاهر المحمول بين أيديهم وعلى رؤوسهم.
حقاً، الخبز نعمة من الله، وبيعه رزق من الله، وكان وسيبقى رمزاً للطهارة والخير والوفاء. وكما قالت الأساطير المصرية القديمة؛ إنَّ إيزيس (إلهة الخصب والأمومة) كانت تصنع خبزاً لزوجها أوزوريس دلالةً على الحب والوفاء.. فإنَّ بائعات الخبز يصنعن مستقبلاً بالحلال لعوائلهن.

لا أقدمية.. لا ترقية..  لا تسوّل
أبو محمود يرفض رفضاً قاطعاً أن يأخذ عشر ليرات مربحاً في الربطة، يقول: "أنا هنا لأنني وأولادي جائعون ومحتاجون، وما قبلت يوماً أن أكون متسوِّلاً". إذاً، هو لم يجعل من ابنه الكبير طبيباً، ومن الأصغر محامياً، ومن الأصغر مهندساً، بقرش واحد زيادة على حقه.
قد تكون هذه "قناعة" كما يسمِّيها أبو محمود، الرجل الخمسيني، وربما هو "خوف" من الطمع في الناس، والتعوُّد على رزقة  10 ليرات بدلاً من 5 ليرات. الطمع الذي قد يغضب "التنابل والمتكاسلين" فهذه الفئة من الناس غالباً ما تبتاع الخبز من على الأرصفة. لأنها "تتكاسل عن الانتظار على الدور أمام شباك الفرن، والبحث عن مكان لنشر الخبز الساخن وتبريده، فيشترون راحتهم بـ5 ليرات".
قد يكون كلاهما (القناعة والخوف من الطمع في الناس ومن الناس) وراء انشغال أبي سمير بلملمة آخر أربع ربطات خبز، لم يوفَّق في بيعهما لهذا اليوم، ليهرب من أسئلتنا وإلحاحنا على التجوال داخل رأسه "المتصدِّع" من كثرة التفكير في هذه الدنيا، و"المشوَّش" من صوت السيارات التي لا تكفُّ تهدر بقربه على الاوتستراد. وبينما احتضنت إحدى يديه ربطات الخبز، قبَّل اليد الأخرى ووضعها على جبينه، قبل أن يقول وهو يغادرنا: "مستورة والحمد لله".

المصدر: بلدنا

2010-01-17 07:12:59
طباعة






التعليقات