إذا تزوجت عن حب ... فأنت تزوجت حبيبتك... و إذا تزوجت زواج تقليدي ... فأنك تزوجت حبيبـة غيرك ما رأيك
فتاة بملامح آسيوية تجلس في المقعد الخلفي داخل سيارة تقودها سيدة، وأخرى تصطحب طفلين إلى أحد المحال لشراء الحاجات المنزلية،وثالثة تطعم طفلاً في المطعم ووالدته جالسة إلى جانبه؛جميعها صور باتت مألوفة في المجتمع السوري بعد أن كانت حكراً على مستويات اجتماعية معينة.
فتيات دفعت بهنَّ ظروف الحياة الصعبة إلى حزم حقائبهن والاحتشاد في المطارات بانتظار ترحيلهن إلى بلاد ليس لهن فيها سوى أمل بألا تقسو الحياة عليهن أكثر، لكنها تلقي بهنَّ أحياناً في أحضان من لا يرحم غربتهن ويجعل منهن سلعاً رخيصة، يتداولها معدومو الضمائر، قبل أن يلقى بها إلى المكب.
خادمة لكل فردين:
فكرة الخادمة في المجتمع المحلي ليست أمراً جديداً، فكثيراً ما استعانت بها ربات البيوت في التنظيف والأعمال المجهدة، لاسيما العائلات الميسورة؛ إلا أنه بحكم القوانين والأعراف الاجتماعية ما كان بالإمكان أن تقيم الخادمة في منزل مخدوميها، وهو ما روّج لمفهوم الخادمة الأجنبية التي انتشرت في المجتمعات المحيطة بسوريا، ثم ما لبثت أن انتقلت إلى طبقاته بقوة ليصبح الحصول على الخادمات الأجنبيات بمثابة شراء أي سلعة أخرى، واللافت إن أعداد الخادمات من الجنسيات (الفلبينية، والسيريلانكية، والأثيوبية، والإندونيسية) ارتفع بسرعة ملحوظة لكنه مازال مقبولاً مقارنة بالدول العربية، حيث وصل في بعض دول الخليج إلى خادمة لكل فردين.
قانون الاستقدام:
بدأت ظاهرة انتشار الخادمات في سوريا عام 2001 بعد صدور قانون استقدام الخادمات للعمل في المنازل من غير السوريات، وحسب إحصائية غير رسمية قدرت أعدادهن بنحو (100) ألف خادمة؛ حيث لعبت المكاتب الخاصة غير المرخصة التي يقوم عليها السماسرة دوراً في تسهيل الاستقدام والتشغيل.
خادمة حسب الطلب:
المكاتب التي تعمل في مجال التجارة القديمة المستجدة قادرة على تأمين الخادمات حسب الطلب، وذلك باختيار الخادمة من خلال الصور؛ حيث يؤمن كفالتها كأي سلعة مدة ثلاثة أشهر، وعليه يقول سامر صاحب أحد المكاتب الذي تحدث بعد كثير من التردد قائلاً: (نقوم بتوفير صور للخادمات؛ حيث يتم الاختيار منها، وبعد أسابيع تصل الخادمة، لتقيم مع العائلة ثلاثة أشهر تحت التجربة، فإما تستمر ثلاث سنوات مدة العقد، وإما تستبدل بأخرى تحظى بقبول العائلة، ومعظم الفتيات اللواتي يستقدمن للعمل أعمارهن صغيرة، جئن برغبة ذويهن، وبعضهن أمهات تركن أطفالهن لرغبتهن بالعمل وإعالتهم، ما يعني حرمان الأطفال من أمهاتهم لسنوات قد تطول).
خادمة تبدأ عملها بالبكاء:
ندى سيدة تعمل في مجال تنظيم المعارض تروي تجربتها مع خادمتها الفلبينية التي ما إن وصلت إلى المنزل حتى أخذت بالبكاء، ولأنها لا تفهم لغتها لم تتمكن من الحديث إليها، وبعد مدة من اليأس والكآبة التي لازمتها علمت أنها تركت طفليها وجاءت للعمل.
كله إلاَّ السورية!!.
للظروف الجديدة التي فرضها الواقع الحالي للمرأة السورية باتت الخادمة المقيمة حاجة لبعض العائلات، لكن قدرة المجتمع على مواجهة ما يترتب على وجودهن مازال مجهول المصير، على الرغم من أن بعض الدراسات الفقيرة والمحدودة رسمت مخاوف حقيقية على المدى المنظور جراء تكاثر أعدادهن، فالمجتمع السوري فيه نسبة مرتفعة من البطالة، كما أن استخدام العاملات الأجنبيات يعني تراجع الطلب على اليد العاملة المحلية، وغالباً ما تفضل الأسر الخادمة الأجنبية لأسباب عدة، ومن هؤلاء (رائدة) ربة منزل وأم لستة أطفال تقول إن معاناتها من فظاظة الخادمة السورية هو ما دفعها لاستبدالها بأجنبية، إضافة إلى حاجتها إلى خادمة مقيمة، وهذا نادر الحصول في مجتمعنا، وعليه ترى (رائدة) أن سلوك الخادمة السورية نتيجة لعدم قدرتها على تقبل فكرة خدمتها يجعلها تشعر بالنظرة الدونية.
سلبيات وجود الخدم نطقية:
إن الآثار السلبية التي تمكنت الدراسات من رصدها لدى العائلات التي لديها خادمة أجنبية هو تأخر النطق عند أطفالها نتيجة لاختلاف اللغة، والاعتماد الكلي على الخادمة وملازمتها ساعات طويلة والاحتكاك المباشر معها، فضلاً عن التخبط الذي يصيبهم لاختلاف العادات والتقاليد والثقافة، وهم في مرحلة عمرية تتكون فيها معارفهم ويتطور إدراكهم للبيئة المحيطة بهم.
نقلة أمراض:
لعل الأمراض التي من الممكن أن تحملها الخادمات وتنقلها إلى الأسرة من أكبر المخاوف التي أشارت إليها البحوث الطبية، مع أن أحد بنود القانون الصادر في مجال الاستقدام والاستخدام إجراء فحوصات طبية لأمراض (السل، والإيدز، التيفؤيد)؛ إلا أن بعض السماسرة الذين يشكلون الوسيط بين الخادمة والأسر قد يتلاعبون بهذه الأوراق لارتفاع تكاليفها، وعدم موافقتهم على تحمل تكاليف إعادتهم إلى بلدانهم في حال ثبتت إصابتهم بأحد تلك الأمراض.
(100) مليون دولار نفقات:
حسب معادلة بسيطة ووفق الإحصاءات المتوافرة فإن (100) ألف خادمة تكلف الاقتصاد السوري (246) مليون دولار سنوياً تدفع من القطع الأجنبي، وهو ما يشكل هدراً على المستوى البعيد، ومن هنا فصل (أبو وائل) صاحب أحد المكاتب الخاصة الذي يقوم على توفير الخادمات على اختلاف جنسياتهم تكاليف الخادمات حسب القانون الصادر، فمجمل النفقات حوالي (2000) دولار جزء للدولة، وآخر للمكتب، إضافة إلى تكاليف السفر، وراتب شهري يتراوح بين (100ـ200) دولار، حسب جنسية ومواصفات الخادمة، وعن أكثر الفئات إقبالاً عليهن يقول: (هناك العائلات الثرية التي لا تكتفي بخادمة واحدة، وإنما لديها أكثر من اثنتين كنوع من «البريستيج» الاجتماعي الذي يشكل «60 %» من دافع استقدام الخادمات، مع وجود فئة محدودة من النساء العاملات اللواتي يحتجن إلى المساعدة فعلاً، وهؤلاء غالباً ما يكنَّ من أصحاب الدخول المحدودة ويكتفينَّ بخادمة واحدة).
قنبلة موقوتة:
إن ما يشكله الكبت والضغط النفسي لهؤلاء الخادمات، يمكن أن ينتج عنه انفجار قد يصيب أول الناس المحيطين بهنَّ، فالخادمات أشبه بالـ(روبوت) البشري الذي يسير على الأوامر تحت التهديد بالضرب والإهانة والترحيل والحرمان من الحقوق المادية والمعنوية، فضلاً عن الإحساس بالغربة في المكان واللغة والأشخاص، وتفكيرهنَّ الدائم بمن تركن خلفهن؛ كل ذلك يجعل من الخادمة أشبه بقنبلة معدة للانفجار في أي وقت، حيث هناك العديد من الحالات التي ظهرت نتيجة لذلك كالانتحار، ومحاولة الانتقام من الأسرة بإيذاء صغارها والعبث بممتلكاتها، ومن بينهم (تاكو) الخادمة الأثيوبية التي أرسلها والدها بعد أن أعد جواز سفرها دون علمها، ولم تعرف بذلك إلا قبل ساعات من مغادرتها، فحاولت الانتحار إلا أنها لم تنجح وعوقبت بشدة وقسوة على ذلك، وهي اليوم تحتفظ بروزنامة تحت وسادتها لتشطب منها الأيام التي تنتهي بانتظار انتهاء مدة العمل، ما يؤكد إن الفقر والمرض والعوز والذل من أودى بهؤلاء الفتيات إلى هذا المصير!.