إذا تزوجت عن حب ... فأنت تزوجت حبيبتك... و إذا تزوجت زواج تقليدي ... فأنك تزوجت حبيبـة غيرك ما رأيك
خلال فترة قصيرة من عمر الزمن ومنذ افتتاح متاحف الخط الحديدي الحجازي الثلاثة في محطة القدم جنوب دمشق أضحت محجا للسياح من داخل القطر وخارجه
... يؤمه يوميا عشرات الزوار جماعات وفرادى و لا نبالغ إذا قلنا بأنها أصبح معلما رئيسيا للسياحة في سوريا .
وقد وفرت الإدارة لهذه المتاحف مقومات النجاح والاستمرارية من خلال الترتيب الداخلي للمتاحف وتقسيمها بحيث يستطيع الزائر رؤيتها ضمن انسيابية رائعة تبدأ من المتحف الخارجي للقاطرات البخارية والتجهيزات المحركة والمتحركة والتي تعرض في الهواء الطلق ضمن بساط أخضر تتخلله فراغات وضعت عليها خطوط العرض لهذه القاطرات النادرة في العالم وقد حملت واجهة كل قاطرة لوحة تعريفية أو بطاقة هوية تحدد عمر القاطرة والجهة الصانعة وتاريخ الصنع بالإضافة إلى طول القاطرة ومواصفات أخرى متعلقة بها
يجاورها أرصفة منسقة بشكل دقيق تتيح للزائر مشاهدتها من كافة الجوانب يجاور هذا المتحف من الجهة الداخلية ترانس متحرك يسير بشكل عرضي يمكن استخدامه لرؤية القاطرات من الجهة الخلفية وفهم آلية إدخال القاطرات إلى الصيانة في معمل القدم و هو المعمل الأكبر في الشرق الأوسط والذي صممه العثمانيون ليكون نسخة طبق الأصل عن معمل كيم نيتس في ألمانيا في بداية القرن الماضي وهذا المعمل هو ما اتفق على تسميه بالمتحف الحي والذي سنعرض له بالتفصيل بعد انتهاء زيارتنا لمتحف القاطرات نمضي في استكشاف متحف القاطرات لنشاهد أربعة عشر قاطرة بخارية ساحرة مرتبة حسب الطول لنصل إلى العربة الحربية التي كان يستخدمها الجيش العثماني في حربه ضد الأخطار المحدقة بالقطار المتجه إلى المدينة المنورة وهي عربة خشبية مصفحة بالحديد من الداخل يوجد بها كوات إطلاق على ارتفاع الجندي الواقف نمضي قدما في الحدائق التي تغطي المكان في جولة بين الأبنية الأثرية التي يعود عمرها إلى ما يزيد عن المائة عام والتي تتمتع بسلامة إنشائية عالية لنصل إلى الساحة الخارجية لمتحف المقتنيات والتي رصفت بالبلاط الذي يحيط بقاطرة بخارية ربطت معها عربة قديمة لنقل الركاب ويمكن للسائح الصعود إليها والجلوس في مقاعدها واستعادة مائة عام خلت كانت فيه هذه العربة تنقل الركاب بين دمشق والمدينة المنورة , على يسار هذه الباحة يطالعنا مدخل متحف المقتنيات الأثرية المهيب و هو بناء من الطراز العثماني يسقفه جملون من القرميد وتتخلل واجهته بوابة عريضة وضع على يسارها جرس المحطة القديم نمسك السلسلة المعلقة في الجرس ونشدها فتنطلق رنات الجرس القوية لتدعو الزوار إلى دخول عالم الخط الحجازي وبمجرد دخولنا إلى المتحف يتفاجأ الزائر بحجم الكم الهائل من المعروضات المرتبة والمنسقة بطريقة تغري بالاستكشاف على يمين الداخل وفي القسم السفلي من المتحف تجد طاولة مغطاة بالبللور رصفت تحتها شعارات وأوسمة ونياشين بالإضافة الى رسم لشعار المؤسسة وهو دولاب ينطلق منه جناحان ( إشارة إلى السرعة الفائقة التي كان يسير بها في عصره ) هذا الشعار رسم بالأزرار التي كانت توضع على لباس مستخدمي وعمال الخط بشكل جميل يحيط بهذه الطاولة كنبة عمرها من عمر هذا الخط مكسوة بالجلد الطبيعي يحيط بها أربعة كراسي قديمة ومريحة لتشكل فرصة للزائر لأخذ قسط من الراحة لمتابعة الزيارة نمضي قدما لاستكشاف القسم الأول من هذا المتحف الضخم وهو ما اصطلح على تسميته قسم الاتصالات لنجد هنا تاريخ الاتصالات في العالم بدءا من ( جهاز مورس ) للإرسال البرقي إلى المقاسم الهاتفية القديمة أو ما يسمى مقسم( الفيش) يجاوره أجهزة هواتف متحركة كان يستخدمها عمال القطارات أثناء الحركة من ( كابينات ) مخصصة لهذه الغاية وضعت على المسار أو في المحطات و قد علمنا بأن النصب الموجود حاليا في ساحة الشهداء بدمشق ( المرجة ) هو حجر التأسيس للخط البرقي المرافق للخط الحديدي الحجازي من دمشق إلى المدينة المنورة وهو من العلامات المميزة لمدينة دمشق . نتابع مسيرتنا ونتوغل قليلا في المتحف لنجد ( فرن حراري) تعلوه رافعة ميكانيكية تحمل غطاء الفرن المصنوع من الآجر والحديد وقد أخبرنا الدليل السياحي والذي يرافق الزائرين بأن هذا الفرن مخصص( لتشليح البنداجات ) أي فصل قلب دولاب القطار الداخلي عن الجزء الخارجي الذي يتآكل بفعل الاحتكاك بقضبان السكة الحديدية ليتم تلبيسه بإطار خارجي جديد وكل ذلك يتم بخاصية الإحماء والتبريد التي يتكفل بها هذا الفرن أما اليوم فقد وضعت إدارة المؤسسة داخل هذا الفرن أجهزة كهربائية يغطيها قطع قماش متحركة لتوحي بأن هناك اشتعال وهي صورة أقرب ما تكون إلى الحقيقة
يجاور هذا الفرن من الجهة الداخلية المكتب الهندسي بكافة مكوناته والذي يؤرخ لتاريخ تطور الآلات الحاسبة والطابعة والناسخة والتي سبقت آلات الفوتوكوبي العصرية يثير انتباهنا أقدم آلة حاسبة ميكانيكية تستطيع القيام بالعمليات الحسابية المعقدة وهي الجد للآلات الحاسبة الحالية على عمود النسب أيضا ما يثير الدهشة هو المخططات الهندسية المرسومة على ورق مشابه لورق ( الكالك ) الحالي ولكنه يتفوق عليه من حيث الاستمرارية والبقاء فهذه المخططات الذي مضى عليها عقود كثيرة لا زالت تحتفظ برونقها و كأنها رسمت بالأمس
لنصل بعد هذه الجولة إلى المعدات والقطع التي تخص الخط الحجازي القديم وتضم أجهزة هندسية لتجليس الانزياحات في الخط أو أجهزة التجليس بالإضافة إلى المفرقعات التي كانت توضع على الخط لتنبيه عناصر الحركة يقابلها أجهزة الإنذار والتنبيه وقد قام مرافقنا بتشغيل زمور الإنذار القديم ليعطي المكان لحظة حياة أفتقدها القطع الميتة , ثم آلة لنفش القش والذي كان يستخدم في قسم التنجيد في معامل القدم تطالعنا قطعة من القضبان الحديدية كتب عليها بالخط العثماني الخط الحجازي واسم السلطان عبد الحميد الذي أمر بإنشاء هذا الخط لنصل إلى الواجهة الداخلية للمتحف واتي تتضمن خزائن عرض لوثائق هامة من تاريخ هذا الخط بينها سندات الملكية أو الوقف لينابيع الحمة والتي يحتلها الكيان الصهيوني الغاصب بالإضافة إلى جداول السير والحركة والتي كانت تستعمل في القرن الماضي بالإضافة إلى تعرفات نقل الركاب والبضائع يجاورها من جهة اليسار أجهزة القياس والضغط وساعات تشير إلى آلية الحركة وسلامتها والتي نجد ما يشابهها اليوم أمام عجلة القيادة للسيارات الحديثة .
في الجهة الجنوبية للمتحف نجد آلات الوزن وتتألف من قبابين خشبية كانت تستخدم لوزن أمتعة الركاب والتي يتوجب دفع أجرتها لنصل إلى قسم خاص بنظام الإشارات و الاتصالات ويضم كمية كبيرة من الفوانيس ( الفنارات – هي كلمة تركية تعني الفوانيس ) والأعلام الملونة التي كانت تستخدم كنظام للإشارات يليها قسم رئيس المحطة وآلة قطع التذاكر الميكانيكية القديمة والتي ما زالت تعمل حتى الآن , قام مرافقنا بتوزيع تذكرة طبعت حديثا على هذه الآلة تحمل عبارة نشكر زيارتكم ويقوم بوضعها في جهاز على طاولة رئيس المحطة يعمل بالضغط الميكانيكي ليطبع عليها تاريخ زيارتنا للمتحف ثم يقوم بثقبها بـ( بانسة) خاصة كانت تستعمل من مفتشي القطارات تنبيها بعدم إمكانية استخدامها مرة أخرى . يجلس على كرسي رئيس المحطة نموذج لرجل يرتدي رئيس المحطة بقبعته الزرقاء وتستطيع التحدث إليه لكنه - لن يرد - يلي هذا القسم آلة ضخمة ركزت علها أوزان عملاقة تشير لوحته التعريفية بأنه مقياس للنوابض الصفائحية لنصل إلى مكان دخولنا ولنأخذ قسطا من الراحة على الأرائك الأثرية نعود بعدها لنشاهد القسم العلوي من المتحف , ترتفع عيوننا إلى القسم العلوي والذي يضم معرضا دائما للصور الفوتوغرافية يحتوي على مئات الصور التي تم تكبيرها وعرضها بشكل هندسي بديع وكانت البداية من صورة لمهندس الخط الألماني ( مايسنر والذي منح لقب باشا ) ونستمر باستعراض الصور المرتبة فتمر أمام أعيننا قطارات بخارية على الخطوط – صور للأبنية والمحطات – صور تذكارية للعمال الذين ساهموا في بناء هذا الخط العملاق لنصل إلى شاشة عرض كبيرة في واجهة المتحف الداخلية لنتابع فيلما عن هذا الخط أعدته المؤسسة العامة للخط الحجازي بالإضافة إلى حلقات مختارة من خط حديد الحجاز الذي بثته قناة الجزيرة الفضائية , واعتقدنا بأن الرحلة قد انتهت سيما وأن الساعة الأثرية الموضوعة في مقدمة المتحف تشير إلى أننا أمضينا ساعتين حتى الآن .
طلب منا مرافقنا بلطف الجلوس إلى طاولة تحت شاشة العرض ووضع أمامنا سجلا" أنيقا و قلما مذهبا لنكتب انطباعاتنا عن زيارة المتحف وملاحظاتنا ومقترحاتنا إن وجدت فتوقفت أصابعنا عن الحركة والدهشة خيمت على المكان . ماذا نكتب وكل شيء أكثر من رائع و ما شاهدناه لا يمكن تلخيصه في كلمة للذكرى وخضوعا لرغبة مرافقنا كتبنا شكرا لإدارة الخط الحجازي والعاملين فيها في سوريا على هذا الجهد المذهل في جمع هذه المقتنيات و الحفاظ عليها من الاندثار و الضياع وشكرا آخر لحفاوة الاستقبال.
ليخبرنا بعدها مرافقنا بأننا سنمضي لزيارة المتحف الثالث و هو ما اصطلح على تسميته بالمتحف الحي وعرفنا بعد الزيارة بأن هذا المتحف هو حي بالفعل كون الآلات والمعدات في هذا القسم لا زالت تعمل بفعالية في صيانة القاطرات البخارية التي ما زالت تعمل في خدمة السياحة في سوريا , دخلنا خلف مرافقنا من باب جانبي لمتحف المقتنيات إلى هذا المتحف وعقدت الدهشة ألسنتنا, مخارط ضخمة كثيرة تعمل بالسيور الناقلة وتعمل مع بعضها بتناغم عجيب و أخبرنا مرافقنا بأنها كلها تعمل مع بعضها فتشغيل مخرطة واحدة يكفي لتشغيل كل الآلات في القسم بواسطة محور يعلو هذه المخارط وتنتقل الحركة بواسطة السيور الناقلة , هذه المخارط تعمل على خراطة دواليب القطارات الضخمة و تشكيل المعادن لتصنيع القطع التبديلية اللازمة بعدها قمنا بزيارة قسم النجارة وكيف يتم تجديد عربات نقل الركاب وقد أنجزت المؤسسة تعمير عدد من العربات لتكون مريحة وعصرية تضم المقاعد الحديثة والتكييف بالإضافة إلى بوفيه لتقديم المشروبات الساخنة والباردة غادرنا المكان عبورا بورشة صيانة القاطرات بما تحويه من عدد و روافع ضخمة إلى الفضاء الخارجي لنشاهد عربات حديثة استوردتها المؤسسة مجهزة بكافة وسائل الراحة بالإضافة إلى قاطرتين رومانيتين تم تعميرهما حديثا في بلد المنشأ لتخديم النقل التجاري ونقل البضائع بين دمشق وعمان و بقي الكثير الذي لم نشاهده لأن الوقت قد حاصرنا ونحن الذين لم نشعر به , ونحن نهم بالمغادرة وصلت رحلة لطلاب المدارس قادمة من محافظة السويداء و انتشر الطلاب بين القاطرات وعم المكان نفحة من الحياة جعلتني أضعه عنوان لما كتبت – متاحف تضج بالحياة .